محمد متولي الشعراوي
1303
تفسير الشعراوى
الجزء الثالث [ تتمة سورة آل عمران ] لقد حذف الحق من وصف الفئة الأولى ما يدل عليه في وصف الفئة الثانية . وعرفنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل اللّه من مقابلها في الآية وهي الفئة الأخرى . فمقابل الكافرة مؤمنة ، وعرفنا - أيضا - أن الفئة الكافرة إنما تقاتل في سبيل الشيطان لمجرد معرفتنا أن الفئة الأولى المؤمنة تقاتل في سبيل اللّه . ويسمون ذلك في اللغة « احتباك » . وهو أن تحذف من الأول نظير ما أثبت في الثاني ، وتحذف من الثاني نظير ما أثبت في الأول ، وذلك حتى لا تكرر القول ، وحتى توضح الالتجام بين القتال في سبيل اللّه والإيمان ، والقتال في سبيل الشيطان والكفر . إذن فالآية على هذا المعنى توضح لنا الآتي : لقد كان لكم آية ، أي أمر عجيب جدا لا يسير ولا يتفق مع منطق الأسباب الواقعية في فئتين ، فعندما التقت الفئة المؤمنة في قتال مع الفئة الكافرة ، استطاعت الجماعة المؤمنة المحددة بالغاية التي تقاتل من أجلها - وهي القتال في سبيل اللّه - أن تنتصر على الفئة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان . وبعد ذلك يقول الحق : « يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ » فنحن أمام فئتين ، فمن الذي يرى ؟ ومن الذي يرى ؟ من الرائي ومن المرئى ؟ إن كان الرائي هم المؤمنين فالمرئى هم الكافرون . وإن كان الرائي هم الكافرين فالمرئى هم المؤمنون ولنر الأمر على المعنيين : فإن كان الكافرون هم الذين يرون المؤمنين ، فإنهم يرونهم مثليهم ؛ أي ضعف عددهم ، وكان عدد الكافرين يقرب من ألف . إذن فالكافرون يرون المؤمنين ضعف أنفسهم ، أي ألفين . وقد يكون المعنى مؤديا إلى أن المؤمنين يرون الكافرين ضعف عددهم الفعلي . وقد يؤدى المعنى إلى أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عددهم وكان عدد المؤمنين يقرب من ثلاثمائة وأربعة عشر ، وضعف هذا العدد هو ستمائة وثمانية وعشرون مقاتلا . فإن أخذنا معنى « مثليهم » على عدد المؤمنين ، فالكافرون يرونهم حوالي ستمائة وثمانية وعشرين مقاتلا ، وإن أخذنا معنى « مثليهم » على عدد الكافرين فالكافرون يرون المؤمنين حوالي ألفين . وما الهدف من ذلك ؟ إن الحق سبحانه يتكلم عن